د. زكريا ملاحفجي
نعيش واقعاً اليوم لم تعد أزمة الثقافة العربية تكمن في شحّ الأقلام أو ندرة المطبوعات، بل تعمقت لتصبح أزمة في “المشروع الفكري” ذاته، لماذا نكتب أكثر ونُنتج فكراً أقل؟
لماذا انزوى أهل الفكر لحساب المؤثرين وأغلبهم بسطاء معرفياً؟ لماذا طغت الكلمات على المضامين والمعاني؟ فنحن في زمن بات فيه إنتاج النصوص أسهل من أي وقت مضى، بينما تراجع المخاض الفكري الحقيقي، وتفوقت حمى النشر على متعة القراءة، وأصبح هوس الظهور يتصدر على حساب الأثر والبقاء.
لقد استحال لقب “كاتب” أو “مؤثر” لدى الكثيرين إلى هوية مجانية تُكتسب بمجرد النشر، أو واجهة اجتماعية تُقاس قيمتها بعدد المتابعين في أوساط صنّاع التأثير. يتناسى هؤلاء أن الكتابة والأقوال الحقيقية تتجاوز البراعة اللغوية ورصف العبارات، لتكون رؤيةً متكاملة للعالم، وموقفاً راسخاً تجاه الإنسان والتاريخ والمجتمع.
تتجلى جذور هذه الأزمة في ذلك الانفصال بين فعل الكتابة والتكوين المعرفي، إذ نشهد تهافتاً ممن يتعجلون النضج، ويريدون أن يُزبّبوا قبل أن يُحصرموا (أي يريدون أن يكونوا زبيباً حلواً قبل أن يكونوا حصرماً حامضاً في بداية الثمرة) طامحين لاعتلاء منصة الكتابة قبل المرور بمحراب القراءة والفكر، ويسعون لتفسير العالم والأحداث، قبل أن يكلفوا أنفسهم عناء فهمه والغوص في الدوافع والمآلات. إن الكاتب الذي يهجر القراءة يظل أسيراً لزنزانة تجربته الضيقة، بينما تشرّع له القراءة نوافذ الزمن، تمنحه بصيرة الفلاسفة، وتثري عقله بخلاصة تجارب الأمم.
التاريخ يخبرنا أن الأمم لا تنهض بطابور طويل ممن يكتبون ويخطبون، بل بعمق من يتأملون ويفكرون وينتجون أفكاراً. ثمة مجتمعات تقذف للمطابع بآلاف الكتب سنوياً دون أن تتمخض عن فكرة واحدة جديدة قادرة على زحزحة واقعها قيد أنملة، بينما تصنع أمم أخرى تحولات تاريخية كبرى، لأن الكتابة لديها ليست متنفساً ذاتياً فقط، بل حجر زاوية في مشروع حضاري متكامل.
لقد طفت “الذاتية المفرطة” على سطح الكتابات المعاصرة، فغرق الكثيرون في سرديتهم الشخصية، متجاهلين الأسئلة الإنسانية الكبرى حول العدالة، والسلطة، وحركة المجتمع، بينما يكمن الخلود الأدبي والفكري في قدرة الكاتب على صهر تجربته الفردية وصبّها في قالب قضية إنسانية تمسّ الجميع.
ولا يمكننا أن نقرأ أزمة الكاتب بمعزل عن أزمة القارئ، فالقراءة ليست استعراضاً لرفوف المكتبات أو تفاخراً بحفظ أسماء الفلاسفة، بل هي معمل لتفكيك الأفكار وإعادة بنائها. إن الكتاب العظيم هو ذلك الذي يبدأ مفعوله في اللحظة التي تُطوى فيها صفحته الأخيرة، دافعاً قارئه لمساءلة قناعاته وإعادة ترتيب نظرته للكون والحياة والمفاهيم التي يحملها.
تمتد خيوط الأزمة لتتشابك مع نظام تعليمي يُعلي من شأن التلقين على حساب التفكير، ويوزع الإجابات المعلبة بدلاً من تحفيز ملكة السؤال. إن الإبداع نبتة لا تترعرع إلا في تربة تحترم حرية العقل والنقد، والكاتب الذي يرتعد من طرح السؤال، سيعجز حتماً عن ابتكار الإجابة.
وكما ترتبط الثقافة بالتعليم، فإنها تصطدم أيضاً بثنائية المعرفة والسلطة. الكاتب صاحب المشروع لا يكتفي بلعب دور المراقب الذي يصف الواقع، بل يغوص لفهم القوى المحركة له، متسلحاً بالأسئلة الشائكة التي يتحاشاها الآخرون. أما الكتابة التي ترتعد من النقد، فسرعان ما تتحول إلى بوقٍ يبرر الواقع بدلاً من أن تكون معولاً لتغييره.
وفي العقد الأخير، صبّت منصات التواصل الاجتماعي زيتها على نار هذه الأزمة، حيث نُصّبت الشهرة وحجم التفاعل كمعايير نهائية للنجاح، وتوارت قيمة الفكرة الأصيلة إلى الظل. لقد خلقت الخوارزميات التي تكافئ الانتشار السريع بيئةً تدفع الكتّاب لملاحقة “التريند” بدلاً من مراكمة المعرفة، وصياغة العناوين الصادمة على حساب المضامين الرصينة.
يتوازى مع ذلك غيابٌ مؤسف للنقد الجاد في ساحتنا الثقافية العربية، إذ حلت المجاملات والشللية محل التقييم الموضوعي، وبات وزن النص يُقاس باسم مُوقّعه لا بثقله الفكري. إن النقد الحقيقي ليس ترفاً، بل هو الرئة التي تتنفس بها الحركة الثقافية لتتطور وتنمو.
كما لا يسعنا تجاهل أزمة الترجمة والانفتاح على الآخر، فالعقل المبدع يذبل بالانغلاق. الكاتب اليوم في أمسّ الحاجة لنهل المعرفة من الفلسفة، والتاريخ، وعلم الاجتماع، والسياسة، والاقتصاد، تماماً كحاجته للأدب، فالرؤية البانورامية الشاملة لا يمكن صياغتها من نافذة تخصص واحد.
خلاصة القول، مشكلتنا لا تكمن في عقم المواهب، بل في تصحر البيئة الحاضنة. نحن بحاجة ماسة إلى نظام تعليمي يفك قيود العقل، ومؤسسات تتبنى الجودة معياراً، وحركة نقدية لا تحابي أحداً، وثقافة مجتمعية تزن الكاتب بأثره لا بضجيجه.
قد تمنح الشهرة صاحبها وهجاً كاذباً وحضوراً عابراً، لكنها أعجز من أن تمنحه الخلود، فالتاريخ لا يدوّن في سجلاته إلا أسماء من استطاعوا تغيير وعي الإنسان. لذلك، فإن حاجة الكاتب إلى “مشروع فكري” تفوق بأشواط حاجته إلى منصة إعلامية، وحاجته إلى الصبر والمكابدة لبناء المعرفة أثمن بكثير من لهاثه وراء الانتشار.
ويبقى السؤال الملحّ الذي يجب أن يواجه به كل ماسكٍ بقلم: لماذا يجب أن يقرأني الآخرون؟ ما الفكرة البكر التي سأطرحها؟ وما هي القضية التي تستحق أن أُفني فيها عمري؟ فالكاتب بلا رؤية هو مجرد آلة لضخ النصوص، أما صاحب المشروع فهو من يحيل الكتابة إلى رسالة، ويجعل من نتاجه شهادة حية على عصره، ويقدم أفكاراً وحلولاً لأزمات حاضره وعصره.
إن فجر الثقافة العربية لن يبزغ من بين أكوام الكتب المطبوعة، بل سيشرق من عقول من يقفون خلفها، فالنهضة الحقيقية لا تنطلق من ضجيج المطابع، بل من بناء الإنسان المعتز بحرية تفكيره، والمقدّس لقيمة السؤال، والمنفتح على آفاق المعرفة.
الكتابة في أعمق تجلياتها ليست سلماً للمجد الشخصي، بل هي خندق مقاومة ضد الجهل والانغلاق، ودرع يحمي حرية العقل، وسعي دؤوب لفك طلاسم الإنسان والعالم وأزماتنا الحالية. أزمتنا الثقافية إذن، ليست أزمة أقلام جفت، بل أزمة عقول لم تتكون بعد، ولن نعبر هذا النفق إلا يوم يعود الكاتب تلميذاً في مدرسة القراءة والأفكار، متخذاً من المعرفة مشروعاً لحياته، ومن السؤال منهجاً لدربه، ومن الحقيقة غايته الأولى والأخيرة.
غير مكترث بالأعداد والتريندات، فالذين أحدثوا تغييراً في تاريخ البشرية واجه أغلبهم ارتدادات عنيفة لأنهم جاؤوا بجديد غير مألوف للكثرة، جديدٍ علمي وعقلي، وقيمةٍ مضافة في واقعهم آنذاك.
وهذا ما نحتاجه اليوم في واقع ثقافتنا العربية.